فجواتٌ ما بين الأصابع

لا أعرف ما هي التشكيلة الأمثل التي يمكن أخرُج فيها من ثمانيةٍ وعشرين حرفًا لأقول “مرحبًا” بكل طريقةٍ ممكنة

ما أعرفه حتى لحظة وصولي لكتابة هذه الجملة، هو أن “مرحبًا” هي كل ما أستطيع كتابته لأقول مرحبًا

.نعم.. إنها أنا. ليلى، ليلة.. أو كما عرفتني

أعرف جيدًا كيف تشعر بنفسك الآن بين أصابعي بعد ليالٍ طويلة وقد تركتُكَ في كل مكان يمكن أن تكون فيه، حاملةُ الأقلام، فوق أوراقي، على الأرض، وفي حقيبتي تختنق بكلّ الأشياء

.كنتَ في كل مكان إلا يديّ

وهأنذا، آتيك بخضوع وخنوع، جاثية على ركبتي كما جَثَتْ على قلبي غيمة في كل أيامي، أقبل أن أُهان أو أتوسّل، أو أن أصرخ بكل ما أملك من قوة على الرغم من فقداني لصوتي

،أما عن فقدانِ صوتي

لا أشعر بالحزن.. إنما بالفراغ

..أشعر بالسعادة لأني لا أستطيع الشعور بالحزن

وأشعر بالحزن لأنني أعي أنني لا أستطيع الشعور بالحزن فلا أعرف ما هي السعادة

لا زلت أشعر بالفراغ

.وقد فقدتُ لغتي وفصاحتي

.وكأنني فقدتُ أمّي

.فغدا قلبي تجويفًا كبيرًا خاويًا

فكيف تلومني وقد فقدَتْ حياتي تعرّجها واستحالت كتخطيطٍ مستقيمٍ لإنسانٍ قد فقد حياته للتوّ، كمقطوعة موسيقية تداخلت فيها كل النغمات واتّحدت حتّى فقدَت لحنها

بقدر ما أردتُ أن تسير حياتي باستقامة، وأن تحيطني بأنغامٍ يُتغنّى بها بالقلم وتُكتب في ملحمة، إلا أنني.. وللأسف، أصارع الآن لأهرب من دهاليز استقامتها، وأبحثُ عن يديّ المبتورتين علّي أصمُّ أذناي عن صخبها، وفقدتك أنت.. لغةً وفصاحةً، ففقدتُ ملحمتي

Advertisements

جرّة شفافة

ماذا لو كان للإنسانِ أن يفقد صوته؟

ماذا لو كان له أن يخلق أجنحةً لتعابير وجهه؟

ماذا عن أن ننزع أرواحنا عن أجسادنا؟

نعيشُ جسدًا.. نشغل حيّزًا من الفراغ.. بجسدٍ فارغٍ من الروح.

ماذا عن أن أجمع صوتي المفقود، تعابير وجهي الطائرة، وروحي التي انتُزِعت في جرّة زجاجيّة صغيرة، في زاويةٍ بعيدةٍ عن عيون العالم.

جرّةً ترى العالم.. ترى الشمس كل صباح، وتراقب القمر عن كثب وهو يتقلّب ما بين بدرٍ وهلال.

جرّةً تشعر بدورةٍ الحياة وكأنها ولدت في الجرّة نفسها ثم عادت إليها، تراقب العالم لكن لا أحد يراقبها، يملؤها الهواء ونفحات السلام، يزيّن زجاجها بريقُ نجوم رُسمت يدويًّا.

ماذا عن استمراري في احتساء الشاي، في تأملّ صورِ الغيوم التي عُكست على سطحه. ماذا عن استمراري في حبّ الحياة، وارتداء الابتسامة بملءِ روحي؟

ماذا عن أن أجعل من جرّتي الزجاجية سجنًا لذاتي، سجني الذي أستعيدُ فيه حرّيتي؟

وأبقى سعيدة. أراقب العالم عن كثب، لا أحد يراقبني. لا أحد يقترب ويلمس زجاجي فيترك بصمات أصابعه عليه، فأعجز عن مسحها، وأصبحُ حزينة.

أريد أن أبقى بعيدة، أحس بالسلام، بالهدوء. أحتسي الشاي وأبتسم. أجلس على كرسيّ الخشبيّ الهزّاز وأراقب بساط العالم الأخضر الممتد أمامي. لا يلمس زجاجي أحد، لأبقى برّاقة طوال عمري، لا أفقد أجزاءً من نجومي التي رُسمت على جدراني حتى وإن احتضنتها أشعّة الشمس.

أراقب العالم عن كثب. يلمؤني الرضا، ولا أحد يراقبني.

الخميس: ٢٠١٧/١٢/٢٨م

بدَاية

عشرُ سنواتٍ مضت، منذ أن خطت يداي أول حرف.

لطالما صبوت لأن أكون شاعرة، فمن المرحلة الابتدائية، وأنا أكتب كلمات القصيد التي تتهافت علي من كتب العربي، والأناشيد التي كبرت أسمعها، وكتبُ النصوص التي درستُها ما إن دخلتُ المرحلة المتوسطة.

مشت بي الحياة، وحلّت علي اللحظات التي أجبرتني أن أُمسك بالقلم وأكتب.

ينصح في علم النفس بكتابة الأشياء المزعجة على ورقة ومن ثم تمزيقها، لم أمزق أوراقي يومًا، بل أعدتُ كتابتها مرارًا وتكرارًا حتى أصبحت الكتابة جزءًا هامًا مني دون أن أشعر.

أما عن حلمي بخصوص كتابة الشِعر، فإن القصائد المنقولة تجمعتْ وصارت دفترًا لا يحتوي بيتًا واحدًا كتبتُه بنفسي، ومضت عشر سنوات أكتبُ فيها، دون أنْ يخرج مني بيتًا واحدًا فصيحًا.

وها أنا ذا، وقد غُلب على أمري، لا أكتب الشعر كما كان حلمي بالابتدائية، ولكني أكتبُ كلّ شيء.